—•—
عاش النبي إلياس (عليه السلام) في مملكة السامرة الشمالية في القرن التاسع قبل الميلاد خلال فترة حكم الملك آخاب الشرير. تزوّج الملك آخاب من إيزابال بنت الملك أثْبَعَل الوثني من مملكة صيدا. وكانت هي ووالدها يتعبدان الإله بعل، حيث حثّت الناس من بني يعقوب على عبادة البعل وسعت إلى قتل العديد من أنبياء الله.
وقاوم النبي إلياس الملك آخاب والملكة إيزابال وكهنة البعل، وفي النهاية نصر الله النبي إلياس وسقط أكثر كهنة بعل أمواتا. وجاء ذكر هذا الحدث في سورة الصّافات في القرآن [الصافات: 123-132].
وعلّم النبي إلياس وأرشد جماعة من الأتباع وهم متصوّفون منجذبون بالروح (انظر كتاب الملوك الثاني 2: 3). وأجرى الله معجزات كثيرة على يدي النبي إلياس، فأحيا الموتى بإذن الله ومنع المطر من السقوط على مدى ثلاث سنوات ونصف وجعل الطعام يتكاثر بطريقة خارقة وطلب نزول النار من السماء.
وعند اقتراب نهاية مهمّة النبي إلياس، رفعه الله إليه في زوبعة. ويقول الطبري في تاريخه بعد ذهاب النبي إلياس إلى الغيب: "وطار في الملائكة، فكان إنسيًا مَلاكيًا أرضيًا سمائيًا". وبعد عصر النبي إلياس بسنوات كثيرة أوحى الله إلى النبي ملاكي أنّ إلياس سيعود من الغيب: ((قالَ اللهُ تَعالى: ها أنا أُرسِلُ إلَيكُم النَّبيَّ إلياسَ قَبلَ حُلولِ يَوم اللهِ العَظيمِ المَهيبِ فَيُعيدُ الأُلفةَ والمَحَبّةَ بَينَ الآباءِ والأبناءِ، وإلاّ فسَتَظهَرُ تَجَليّاتي وأَضرِبُ الأرضَ بِلَعنةٍ)) [كتاب النبي ملاكي 4: 5-6].
وبعد مرور قرون من الزمن وتحديدا في القرن الأوّل للميلاد، انتظر كثير من اليهود عودة النبي إلياس من الغيب قبل ظهور المسيح المنتظر. وسأل الناس سيدنا عيسى (سلامه علينا) حول هذه المسألة، إذ جاء في الإنجيل: ((فسَألوهُ عَن ذلِكَ قائلينَ: "لماذا يَقولُ عُلماءُ التّوراةِ إنّ مَجيءَ النَّبيِّ إلياسَ سَيكونُ قَبلَ مَجيءِ المَسيحِ المُنتَظَرِ؟" فأجابَهُم قائلاً: "نعم. يَجيء النَّبيُّ إلياسُ أوّلاً ويُصلِحُ أُمورَ البَشَرِ. ولكنّ كِتابَ اللهِ يَقولُ أيضًا إنّ سَيِّدَ البَشَرِ سيَلقَى الأذى مِنَ النّاسِ وسيَنبُذونَهُ. وأقولُ لكُم إنّ إلياسَ قد جاءَ فِعلاً، وأساؤوا مُعاملتَهُ، كَما جاءَ عنهُ في كُتُبِ الأنبياءِ)) [الإنجيل، مرقس 9: 11- 13].
وقصد السيد المسيح بهذه الكلمات أنّ النبي يحيى (عليه السلام) قد حقق بظهوره وعود الله المتعلقة بالنبي إلياس وفق كلمات الملاك جبريل الموجّهة لزكريا عن يحيى (عليهما السلام): ((وَسَيَتَقَدَّمَ أمامَ مَولاهُ بِرُوحِ إليَاسَ وقُوّتِهِ)) [الإنجيل، لوقا 1: 17].
أمّا النبي اليسع (عليه السلام) فجاء وحي من الله إلى النبي إلياس بخصوصه على جبل سيناء، حيث أمر الله إلياس بمسح اليسع بالزيت دليلا على أنه أصبح خلفه المختار. فذهب النبي إلياس وعندما وجد اليسع ألقى عباءته على كتفيه علامة على أنه سيخلفه. وأصبح النبي اليسع معاونا للنبي إلياس طيلة فترة امتدت من سبع إلى ثماني سنوات، أي حتّى حلول موعد رفع النبي إلياس إلى السماء. ولكن قبل اختفاء النبي إلياس إلى الغيب سأل اليسع (عليه السلام) قائلا: ((ماذا عساي أن أفعل لك قبل أن يرفعني الله عنك؟)) فأجاب النبي اليسع وطلب ضعف قدرات إلياس الروحية. ويرى بعض الباحثين أنّ هذه الكلمات تشير إلى الميراث المضاعف عند الابن البكر، وهذا دليل على أنّه الوريث الرئيسي في العائلة. ولكن البعض الآخر من المفسّرين يرى أنّ المشار إليه هنا ضعف المعجزات، حيث يذكر الكتاب المقدس أنّ اليسع قام بإجراء ضعف المعجزات التي أجراها النبي إلياس.
وورد ذكر النبي اليسع مرّتين في القرآن في الآية 48 من سورة ص والآيتين 86 و87 من سورة الأنعام. وذكر السيد المسيح كلاّ من إلياس واليسع (عليهما السلام) كما ذكر معجزات الشفاء وإطعام الغرباء التي جرت على أيديهم. وكان السيد المسيح يقصد من ذكر هذه المعجزات أن يقرّ لمستمعيه اليهود أنّ محبّة الله ورحمته تشملان جميع الشعوب والأمم (الإنجيل، لوقا 4: 24-30).
—•—
1 كان في بلدة تِشْبي في جبال جِلْعاد التابعة لمملكة السامرة نبي اسمه إلياس (عليه السلام)، وذات يوم أوحى الله إليه أنّه رسولٌ إلى الملك آخاب وعليه أن يبلّغه ما يلي: "أنا من عباد الله الحيّ القيوم، وأقسم بالله الذي يعبده بني يعقوب، لن ينزل غيثٌ من السماء ولا ندى طوال هذه السنوات إلاّ بأمر منّي".
2 ثم أوحى الله إليه: 3 "اذهب ناحيّة مشرق الشمس، واتّخذ من وادي كريت مخبأ يخفيك، في الضفة الشرقية لنهر الأردن، 4 إنّ في مياهه ما يسقيك، وفي الطعام الذي يحضره الغربان بأمري ما يكفيك". 5 فأطاع النبي إلياس أمر ربّه وأقام عند وادي كريت. 6 وكان يجد في النهر ما يرويه، والغربان صباح مساء من خبز ولحم تأتيه. 7 وبعد فترة أصاب النّهر الجفاف، فقد انحبس المطر في جميع أرجاء الأرض.
8 ثمّ أوحى الله إلى النبي إلياس: 9 "اذهب إلى بلدة الصَرَفَنْد المجاورة لمدينة صَيدا واتّخذ فيها مقاما، وستعطيك أرملة هناك بأمري شرابا وطعاما". 10 فتوّجه (عليه السّلام) إلى الصرفند، وحين بلغ باب المدينة أبصر أرملة تجمع حطبا، فناداها قائلا: "أعطني شربة ماء". 11 وعندما ذهبت لتُحضر الماء، ناداها مرّة أخرى قائلاً: "وأعطني قطعة خبز أيضا". 12 فقالت: "أقسم بالله ربّك ما عندي خبز يكفيك ويكفيني، إنّ هي إلاّ حفنة دقيق في وعاء، وقليل من الزيت في كوز، وها أنا أحمل هذا الحطب لأصنع بناره وجبتي الأخيرة لي ولابني. ثم أبقى جائعة مع ابني في انتظار أن يأتينا الموت". 13 فطمأنها إلياس (عليه السّلام): "هوّني عليكِ! اِذهبي واخبزي ما بقي لك من الدقيق، لكن عليكِ أوّلاً أن تعطيني منه قرصا صغيرا، وبعد ذلك يمكنك أن تأكلي أنتِ وابنكِ. 14 فالله الذي يعبده بنو يعقوب يقول في وعده: لن يفرغ من الوعاء الدقيق، ولن ينقص من الكوز الزيت حتى يُرسل الله على الأرض مطرا". 15 فعادت الأرملة إلى بيتها وفعلت ما أمرها النبي إلياس. وتزايدت كمية المؤونة من دقيق وزيت أيّاما طويلة، وأكل ثلاثتهم منها، 16 ولم تنفد كما وعد الله على لسان نبيه إلياس.
17 وبعد فترة من الزمن مرض ابن الأرملة مرضا شديدا دفعه إلى الموت. 18 فصاحت الأرملة في وجه النبي إلياس: "يا نبي الله، لماذا فعلتَ بي ما فعلتَ؟ أجئتَني لتكشف ذنوبي وتلقي بابني إلى الموت؟" 19 فأجابها (عليه السّلام): "أحضري ابنكِ إلى هنا". ثمّ أخذ النبي إلياس جثمان الصبي من حضن أمّه وصعد به إلى العُليّة حيث يقيم، ثم مدّده على السرير. 20 واستصرخ ربّه قائلاً: "اللهمّ يا ربّي، لِمَ أنزلت على الأرملة الّتي حللتُ ضيفًا عندها هذا البلاء، وألقيت على ابنها الفناء؟" 21 ثمّ استلقى فوق الصبيّ ثلاث مرّات، واستغاث الله قائلاً: "اللهمّ يا ربّي، أعد هذا الصبيّ من الممات وابعث فيه الحياة!" 22 فاستجاب الله لدعاء النبي إلياس. وعادت الروح إلى الصبيّ وعاش من جديد. 23 ثمّ أخذ النبي إلياس الصبيّ ونزل به من العُليّة، وسلّمه إلى أمّه قائلاً: "اُنظُري، لقد عاد ابنك إلى الحياة من جديد!" 24 فقالت الأرملة: "إنّي على يقين أنّك نبيّ ربّ العالمين، وأنّ كلام الله يجري على لسانك لا ريب!"